القاضي عبد الجبار الهمذاني
277
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فان قالوا : أليس قد أمر تعالى بفعل ما علم أنه لا يكون ، ولم يوجب « 1 » أن يكون أمرا بتجهيل نفسه . فهلا سوغتم مثل ذلك لنا في أمره تعالى العبد بترك ما أراد كونه . قيل لهم : انّ تجهيل الحي انما يصح بفعل ما يصير به جاهلا ، كما أن تحريك المحل انما يصح بفعل ما يصير به متحركا . وقد علم أن ما يصير به تعالى جاهلا - تعالى عن ذلك - من وجود جهل لا في محل ، يستحيل وجوده . فالأمر بتجهيله أو القدرة على ذلك محال . ومن قولهم : انّ كون العبد فاعلا لما لم يرده تعالى يوجب غلبته / وقهره ، وذلك صحيح منه . فيجب أن يكون الأمر به والقدرة على اقداره عليه أمرا لهم بأن يغلبوه ، على ما ألزمناهم . فان قالوا : انما نقول انّ تركه لما أراده جل وعز « 2 » يدل على ضعفه ، وعلى أنه مغلوب مقهور ، لا أنه يوجب كونه كذلك ، كايجاب العلل لما توجبه . وإذا كان ذلك قولنا لم يبطل بما ذكرتموه . قيل له : انّ الّذي ذكرناه يلزم على هذا القول ، لأن الدلالة لا تدل الا على صحة ؛ فيجب أن يكون تعالى إذا أمرهم بذلك أن يكون قد أمرهم بالدلالة على غلبته وقهره ، وأن يكون ذلك صحيحا منهم . وفي ذلك ايجاب كونه تعالى بهذه الصفة ، تعالى عن ذلك « 3 » . ونحن وان قلنا إنه قد أمر العبد بفعل ما علم أنه لا يكون ، فلا يلزمنا ذلك ، لأن الدلالة قد تقدمت لنا على أنه عالم لنفسه ، فما اقتضى خلاف
--> ( 1 ) يوجب : يجب ط ( 2 ) جل وعز : تعالى ط ( 3 ) تعالى عن ذلك : ساقطة من ط